2020-09-26 06:34 مساء
  • وارين بافيت
    30 May

    نظرة على استثمارات وارين بافيت في قطاع النفط

          436

    وارين إدوارد بافيت هو مستثمر أمريكي شهير ولد في عام 1930، ويعتبر واحداً من أساطين الاستثمار في أسواق الأسهم على مر التاريخ. بلغت ثروة بافيت في نهاية 2019 نحو 90 مليار دولار، ليحتل المركز الرابع على قائمة أثرياء العالم، رغم أن ثروته انخفضت مؤخراً إلى أقل من 73 مليار دولار نتيجة الخسائر التي منيت بها استثماراته جراء تفشي وباء كورونا.

    ولد بافيت في أوماها بولاية نبراسكا وبدأ شغفه بعالم الاستثمار والأسهم مبكراً، حتى قبل أن يتخرج من جامعة نبراسكا في سن التاسعة عشر عام. بنى بافيت فلسفته حول مفهوم الاستثمار في القيمة، والذي ابتكره بنيامين جراهام، ويركز على الخلفية الاقتصادية للشركات وتحليل أدائها بشكل دقيق حتى يتسنى الوصول إلى أسعارها العادلة، والتي قد لا تعكسها بالضرورة القيمة السوقية.

    أنشأ بافيت أول صندوق استثماري في عام 1956 والذي انتهى به المطاف للاستحواذ على شركة منسوجات، والتي تحولت لاحقاً إلى شركة قابضة تستثمر في العديد من الصناعات المختلفة تحت اسم بيركشاير هاثاواي.

    وبعيدا عن شغفه بالاستثمار، يعتبر بافيت واحداً من أبرز المتبرعين على مستوى العالم حيث بلغت حجم تبرعاته الخيرية حتى هذه اللحظة أكثر من 30 مليار دولار، كما أوصى بتخصيص 99 بالمائة من ثروته لمؤسسة مؤسسة بيل وميليندا غيتس الخيرية بعد وفاته.

    الخلفية العائلية

    بافيت هو الابن الثاني من بين ثلاثة أطفال، كان والده عضو في الكونجرس لأربع فترات عن ولاية نبراسكا. بدأ شغفه بعالم المال والاستثمار في سن مبكرة، وبحسب مذكراته فقط اكتشف هذا الشغف في نفسه بعد أن استعار كتاب من مكتبة أوماها العامة في سن السابعة. وفي بداية حياته عمل بافيت كبائع للمشروبات الغازية والمجلات الأسبوعية كما كان يعاون جده في محل البقالة. وخلال دراسته الثانوية، كان بافيت يجني الأموال من توزيع الصحف وبيع كرات الجولف والطوابع. الطريف أن بافيت قدم أول إقرار ضريبي له في سن الرابعة عشر عام، حيث باع أولى شركاته مقابل 1200$.

    واشترى وارين بافيت بهذا المبلغ مزرعة مساحتها 40 فداناً، وبحلول الوقت الذي أنهى فيه دراسته الجامعية كان قد جمع مدخرات بنحو 10,000$. وبرغم أن بافيت كان يفضل التركيز على مشاريعه التجارية، ولكن ضغط عليه والده لدخول مدرسة التجارة في جامعة بنسلفانيا في عام 1947، وبعدها انتقل إلى جامعة نبراسكا حيث تخرج في سن التاسعة عشر عام بعد الحصول على بكالوريوس في إدارة الأعمال.

    ورفضت كلية هارفارد للأعمال التحاق بافيت بها، ما دفعه للانضمام إلى جامعة كولومبيا بعد أن علم أن معلمه الروحي بنيامين جراهام كان يدرس هناك. وتخرج بافيت في عام 1951 بعد أن حصل على درجة الماجستير في العلوم الاقتصادية من جامعة كولومبيا. وترتكز أفكار بافيت الاستثمارية على النظر إلى الأسهم باعتبارها أعمال حقيقية واستخدام تقلبات السوق لصالحك، والتركيز بشكل رئيسي على الشركات التي تدفع توزيعات أرباح قوية ومنتظمة، مع السعي لضمان هامش أمان في المحفظة الاستثمارية.

    وبرغم هذه النجاحات الساحقة، تمر استثمارات وارين بافيت بمرحلة استثنائية نتيجة تفشي وباء كورونا، حيث أفصحت مجموعة بيركشاير هاثاواي عن خسارة بلغت 49.7 مليار دولار في الربع الأول بعد أن تكبدت محفظتها الاستثمارية خسائر فادحة من حصص كبيرة في شركات الطيران الكبرى والبنوك.

    وارين بافيت والنفط

    حين تهاوت أسعار النفط إلى ما دون الصفر للمرة الأولى في التاريخ، كانت أحد العناوين الرئيسية التي تصدرت صفحات الأخبار هي التصريحات المنسوبة إلى وارين بافيت في 2016. وكان الملياردير الأمريكي قد تحدث آنذاك خلال مقابلة صحفية مع محطة CNBC عن توقعاته لأسعار النفط. وأثناء الحديث قال كلمته الشهيرة بأنه “عندما يكون النفط مجاني، فسيكون ذلك مفيداً لنا.”.

    وكعادة الإعلام، حاولت العديد من المقالات تأطير هذه المقولة في سياق الرؤية الفذة لبافيت، مؤكدةً أن الملياردير الشهير قد سبق عصره وتنبأ بالانهيار الحالي لأسعار النفط. حقيقة الأمر، فإن المقولة المنسوبة لبافيت لم تتوقع على الإطلاق أي انهيار للأسعار، بل إذا دققنا في تاريخ معاملات بافيت وشركته في قطاع النفط سنرى أخطاء وخسائر فادحة، ولكن لا ننسى أيضاً أن اختياراته قد حققت في مرات عديدة بلايين الدولارات من الأرباح.

    إذا عدنا لمقولة النفط المجاني، فإن مشاهدة المقابلة الكاملة لبافيت تظهر أن ضمير “لنا” كان عائداً عليه كمستهلك وليس كمستثمر. خلال هذه المقابلة قال بافيت أن رخص أسعار النفط سيصب في صالح الولايات المتحدة كمستورد صافي، فضلاً عن الوفورات التي يحققها في ميزانية المستهلك العادي. ولكن على الجانب الآخر، شرح بافيت الأضرار التي تتعرض لها صناعة النفط في الولايات المتحدة، والتي قدرها آنذاك بنحو تريليوني دولار، حيث أشار إلى أن كثافة الإنفاق الرأسمالي يؤدي إلى أن تتضرر أنشطة هذا القطاع بمتوالية هندسية عندما تبدأ الأسعار في الانخفاض، كما أشار إلى الأضرار التي تلحق بالقطاعات الأخرى التي تتعامل مع أنشطة استخراج وتكرير النفط.

    بافيت والنفط، تاريخ من الخسائر

    تكبدت بيركشاير هاثاواي خسائر بنحو ثلاث مليارات دولار في أقل من ستة أشهر نتيجة استثمارها في شركة أوكسيدنتال بتروليوم. وضخ بافيت نحو 10 مليار دولار لشراء أسهم ممتازة في عملاق النفط لمساعدتها في المنافسة مع شيفرون للاستحواذ على أناداركو بتروليوم. وهبطت أسهم أوكسيدنتال بعد الخسائر الأخيرة لأسعار النفط لتتداول مؤخراً عند 15$ مقارنة مع 44$ عندما استثمرت فيها بيركشاير هاثاواي في أغسطس 2019. وباع بافيت أيضاً أسهمه في شركات نفطية كبرى مثل إكسون موبيل (NYSE: XOM)، وهو ما دفع البعض للتساؤل عما إذا كانت أمجاد الاستثمار النفطي قد ولت بلا رجعة.

    برغم ذلك، فإن خسائر بيركشاير في أوكسيدنتال لا تزال ورقية، بل في حقيقة الأمر زاد بافيت حصته في الشركة، وهو ما يعود جزئياً إلى أنها لا تمتلك فوائض نقدية لدفع التوزيعات المرتبطة بأسهمه المميزة، ولذلك لجأت إلى دفع هذه الحصص في شكل أسهم.

    وتحظى صفقات بافيت عموماً بمتابعة واسعة النطاق من جميع المستثمرين في أنحاء العالم، خصوصاً إذا عرفنا أن بيركشاير هاثاواي قد حققت عائد تراكمي بنحو 24 بالمائة سنوياً على مدار أكثر من ثلاثين عام، ولهذا فإن تخلصه من أسهم عدد من القطاعات، ربما أبرزها شركات الطيران مؤخراً، تطرح تساؤلات عديدة. ولكن بشكل عام، يمكن القول أن استثمارات بافيت في قطاع النفط لم تصادف نفس النجاح الذي حققه في باقي القطاعات الاقتصادية الأخرى، وأن مقولته الشهيرة “اشتري عندما يخاف الآخرون، وتحلى بالحذر عندما يندفع الجميع للشراء” لم تكن صائبة على الدوام.

    بدأت أولى مغامرات بافيت في قطاع النفط عام 2002 حين استثمر 500 مليون دولار في شركة Petro China. وبحلول 2007، حقق هذا الاستثمار ربح بـ 3.5 مليار دولار، ليكون واحد من أفضل الاستثمارات في تاريخ بيركشاير هاثاواي. ولكن بعد عام واحد، قام بافيت بواحدة من أسوأ استثماراته في قطاع النفط حين اشتري أسهم في شركة ConocoPhillips عام 2008 إبان ذروة أسعار النفط قبل أشهر قليلة من الأزمة المالية العالمية.

    وكان خام برنت قد وصل خلال هذه الفترة إلى ما يقارب الـ 150$ للبرميل قبل أن يتهاوى مع اندلاع أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة والتي تسببت في ركود الاقتصاد العالمي لفترة تجاوزت العامين. وخلال هذه الفترة أدلى بافيت بتصريحات ثبت خطأها لاحقاً بعد أن أشار إلى أن سوق الطاقة يوفر فرصة ذهبية للحصول على عائدات مستقرة بفضل الطلب المستمر والمتزايد على منتجات الطاقة.

    حقيقة الأمر أن مكاسب وخسائر بافيت المشار إليها تعكس بوضوح دورات الانتعاش والانكماش التي يمر بها الطلب على الطاقة، ومن ثم أسهم الشركات العاملة بالقطاع، والتي تعد واحدة من الحقائق الأكثر وضوحاً على مر التاريخ. وبناءً على ذلك، فإن المكاسب التي حققها من Petro China كانت منطقية حيث بدأ الشراء في بداية منحنى الارتفاع القياسي للأسعار خلال مطلع العقد الماضي، والتي جاءت بالتوازي مع الزيادة الهائلة في الطلب من الصين. وبالمثل، فإن خسائره من ConocoPhillips كانت أيضاً منطقية حيث اشتري في ذروة المضاربات على أسعار النفط في الوقت الذي بدأ الاقتصاد العالمي يأخذ منحنى هابطاً انتهى بالأزمة المالية في 2008 – 2009.

    وربما بدأ بافيت يدرك هذه الحقيقة حيث أعاد قصة نجاح بترو تشينا مع شركة Burlington Northern Railroad والتي اشتراها في 2009 وجمعت من ورائها بيركشاير هاثاواي أكثر من 15 مليار دولار في شكل توزيعات أرباح، وكانت الشركة عموماً واحدة من أفضل قصص النجاح في تاريخ بافيت بعد أن زادت إيراداتها بنحو 60% وتضاعفت أرباحها نتيجة ارتفاع أسعار النفط في السنوات اللاحقة.

    خاتمة

    في الختام، يمكن القول أن نتائج استثمارات بافيت في قطاع النفط كانت متباينة إلى حد كبير، وهو ما يعزى كما أشرنا آنفاً إلى طابع الدورية التي يتسم بها الطلب على منتجات هذا القطاع الحيوي. أيضاً فإن أسهم الشركات العاملة في هذا القطاع ربما لا تجتاز المعايير التي يحددها بافيت لاقتناء أسهم أي شركة، وهي الضوابط التي صنعت أسطورته في عالم الاستثمار. تشمل هذه المعايير عادةً توفر سيولة كافية وهوامش مرتفعة وانخفاض مستوى الديون، بالإضافة إلى وجود علامة تجارية قوية وحرية التسعير والقدرة على توقع الأرباح بدرجة عالية من الدقة.

    تنطبق هذه المعايير بشكل أفضل في قطاع التمويل والمنتجات الاستهلاكية، ولهذا كانت استثمارات بافيت في شركات مثل أمريكان إكسبريس، وجيليت (التي أصبحت الآن بروكتر وجامبل) هي الأكثر نجاحاً على الإطلاق.

    يختلف الأمر تماماً مع قطاع الطاقة والذي يتطلب إنفاق استثماري مرتفع، فضلاً عن صعوبة ضبط استراتيجية الاستثمار بحيث تقلص التكاليف الثابتة في أوقات انهيار الأسعار إلى الدرجة التي تضطر فيها بعض الشركات إلى مواصلة بيع النفط بأسعار دون التكلفة لأن خسائر التوقف عن الإنتاج تكون باهظة، الأمر الذي يترك مرونة محدودة للتكيف مع المتغيرات السعرية. بالإضافة إلى ذلك، فإن سوق النفط تتحكم فيه كيانات احتكارية مثل مجموعة أوبك.

    Summary
    Article Name
    نظرة على استثمارات وارين بافيت في قطاع النفط
    Description
    نظرة على استثمارات وارين بافيت في قطاع النفط
    Author
    Publisher Name
    Invest in Oil